الرئيسية مقالات عامة ما قل ودل

ما قل ودل

“خير الكلام ما قل ودل”، ما يعني أن خير الكلام هو المختصر المفيد، أي الخلاصة، فالإسهاب الذي يؤدي إلى الملل غالباً ما ينفر القارئ أو السامع خاصة عند الاسترسال في المقدمات المكررة وتكلف الصور البديعية، والتي تجعل فكرة الموضوع تتشت فيما يعد حشواً لا طائل منه، فالكاتب أو حتى الخطيب أو المحاضر المتمكن هو من يستطيع جذب انتباه وتركيز القارئ أو السامع بطريقة تنم عن قدرة ومعرفة بفن التخاطب والتراسل مع الآخرين، وبالتالي طرح الفكرة التي يود طرحها بطريقة مختصرة وبلغة سهلة ومفهومة، ما يجعل تلك الفكرة تظل حاضرة في ذهن المتلقي مع قدر من الاقتناع والقبول أو الاستمتاع، وبالتالي ضمان بقاء التأثير المرافق للفكرة، والذي قد يتحول إلى سلوك أو يترجم على الواقع بشكل من الأشكال.

ربما احتياجنا هذا إلى ما قل ودل هو السبب وراء الشهرة الواسعة لموقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، وإقبال الناس عليه، وتعلق الكثيرين به، فهو يقدم خدمة التدوين المصغر على شكل تغريدات لا تتجاوز 280 حرفا للتغريدة الواحدة، وهو ما يجبر المغرد على كتابة المختصر المفيد، وبالتالي فإن المتابع سيمر على التغريدات بسهولة ويسر ولا يفوت قراءتها.

“ما قل ودل” هو ما يناسب عصرنا المتسم بالسرعة، فأكثرنا لا يجد الوقت الكافي للإطلاع على هذا الكم الهائل من المنشورات التي تصادفنا كل يوم، فعلى سبيل المثال لو كان لأحدنا ألف صديق في الفيسبوك، ونشر كل واحد منهم منشورًا، فليس من المعقول أن نقرأ كل هذه المنشورات، ولو أبقينا بعضها لوقت آخر طالعتنا منشورات جديدة وهكذا في كل لحظة.

حتى على مستوى المنشورات الورقية من صحف ومجلات وغيرها، فغالبًا ما نقرأ المنشور الذي يهمنا وما تبقى نكتفي بالعناوين إن وجدنا الوقت لذلك.

كل هذا الازدحام الذي يلتهم أوقاتنا يحتم علينا أن نعود أنفسنا على مخاطبة الآخرين بما قل ودل، وكذلك نسمع منهم ما قل ودل، وهو الأمر الذي أدى إلى ظهور استجابات مختلفة لما يفرضه هذا الواقع، فعلى مستوى الأدب نجد ظهور بعض الفنون الأدبية التي تدل على حاجتنا إلى ما قل ودل، ومن هذه الفنون القصة القصيرة جدا أو القصة الومضة والتي لا تتجاوز السطر الواحد في الغالب، ولكنها تعتمد على التكثيف والمفارقة والإدهاش، وهي فن عالمي أصبح له وجوده في أدبنا العربي وله كتابه وجمهوره ومؤسساته التي تعني به.

قد يقول البعض أن التغريدات أو الومضات أساليب مستوردة ودخيلة على أسالبينا في الكتابة العربية، وهذا القول غير صحيح فقد ظهر في أدبنا العربي منذ فجر الإسلام فن رفيع في الكتابة يعتمد على الإيجاز والمقدرة على البيان وسرعة الخاطر وهو فن التوقيعات، والذي ظهر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وازدهر في العصرين الأموي والعباسي واستمر حتى يومنا هذا، والتوقيع هو عبارة موجزة سليمة التركيب، دقيقة الفكرة، مركزة، تحمل رأي كاتبها في شكوى أو مسألة من المسائل، أي أنها تحمل في مضمونها ما قل ودل.

كذلك نلاحظ في الجانب الإعلامي الكثير من المظاهر التي تنسجم مع عصر السرعة، والتي تعد بطبيعة الحال استجابة لحالة الانشغال وتزاحم الموارد المعرفية والإعلامية في عصرنا الحاضر والتي قد تربك الكثيرين، ومن هذه المظاهر على سبيل المثال ما يسمى بموجز الأنباء وكذلك الأفلام القصيرة والرسائل النصية التي تحمل مواد أخبارية أو معلوماتية أو ترفيهية،… وغيرها

أعلم أن هناك مفارقة بين هذا الموضوع وإسهابي في الكتابة عنه، وذلك لكوني لم أوجز الفكرة في ما قل ودل، ولكن يبقى خير الكلام ما قل ودل.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا