الأحد 15 سبتمبر 2019 / الوقت : 11:22:30 مساءً

الكلمات المفتاحية الأكثر استخداماً

إعلان
إعلان
إعلان
a
إعلان
a

الحصان الاسود الروسي

حجم الخط : ع ع ع
طباعة :
  • مشاركة الخبر:
مؤيد رشيد

الحصان الأسود مصطلح شائع في مجالات مختلفة كالسياسة والرياضة أو كل نشاط فيه منافسة او نزاعات, ويقصد به الطرف غير المعروف او ذو الامكانات الضئيلة مقارنة بمنافسيه والذي يحقق فوزا غير متوقع ويفاجيء الجميع من المتفرجين والمنافسين .
يعود أصل الكلمة إلى الرواية التي كتبها رئيس وزراء بريطانيا السابق بينجامين دزرائيلي المعروف بأعماله الأدبية إضافةً إلى نشاطه السياسي, كُتبت الرواية في عام 1831 حيث ظهر مُصطلح الحصان الأسود لأول مرة, تحكي هذه الرواية عن سباق للخيول يفوز فيه حصانٌ غير معروف فيُطلق عليه لقب الحصان الأسود على الرُغم من بياض لونه, ويبدو أن لون الحصان ليس له علاقة بالتسمية ولكن بالتوقعات والامكانيات حيث أن المقصد في المصطلح الإنجليزي هو الغموض والإنبهار والاختلاف وليس اللون .
بعد هذه الرواية انتشر مصطلح الحصان الأسود في سباق الخيول إنتشاراً كبيراً, وأصبحت الأحصنة الفائزة التي لم يُتَوقع منها الفوز في السباق تُسمى بالحصان الأسود. تطوّر مصطلح الحصان الأسود بعد ذلك في بريطانيا, وأصبح مُتداولاً في السياسة ثم في الرياضة والفن, إلى أن وصلت شهرة المصطلح أنحاء العالم .
بعد أنهيار اللاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينات من القرن الماضي وتفكك المنظومة الاشتراكية بما فيها دول اوروبا الشرقية, كان الاتحاد السوفياتي السابق يضم 15 بلدا تحت شعار الاتحاد, وهي دول البلطيق وآسيا الوسطى واواسط شرق اوروبا ودول اوراسيا, انفصلت كلها لتكوِّن دولاً مستقلة بذاتها بما فيها روسيا الحالية والتي لاتزال تمثل اكبر دولة ذات مساحة في العالم .
استطاع الرئيس الروسي الحالي بوتين والذي يحكم روسيا منذ بداية عام 2000 ان يعيد بلاده كقوة عالمية فاعلة في جميع الاحداث بعد أن غابت شمسها لأكثر من عقدين من الزمان بعد أنهيار وتفكك جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة ,حتى صارت روسيا هي الحصان الاسود والذي ظهر بقوة على سطح الاحداث مؤخرا .
لم يكن لروسيا ان تحلم بموطيء قدم او مناطق نفوذ في الشرق الاوسط او أن يكون لها منفذا على البحر المتوسط, واليوم تحقق لها كل ذلك ويزيد, وهو أمر صبرت عليه ادارة بوتين طويلا حتى تحقق لها ذلك .
والامر يعود الى عمق علاقات روسيا وايران وخصوصا بعد مجيء الخميني وعمق العلاقات بين روسيا ونظام الاسد في سوريا , وعمق العلاقات بين نظام الملالي والاسد والذي كان يقف بجانب ايران في حربها مع العراق, لم يستطع الاتحاد السوفياتي وخلال مختلف تطور مراحل تمدد الحزب الشيوعي في العالم العربي من ان يجد سبيلا يمهد لاقامة احلاف سياسية او عسكرية دائمة, كما لم يستطع الحزب الشيوعي من ان يكوّن قاعدة جماهيرية او شعبية واسعة وذات تاثير داخل المجتمعات العربية, رغم ان الكثير من تلكم الانظمة العربية وبعد ثورات التحرر من ربقة الاستعمار الغربي في أواسط القرن الماضي قد اتخذت النظرية الاشتراكية سبيلا لتطبيق العدالة الاجتماعية المزعومة .
لقد كانت الفجوة كبيرة وتزداد اتساعا بين مباديء النظرية الإشتراكية المثالية وواقع التطبيق والذي إتسم بالشمولية والفساد المرافق لها, وخلق طبقة من الحكام والعبيد وفي البلد الأم والذي ولدت فيه النظرية, ولذلك هوت وتحطمت اشلاء ابتلعتها تلك الهوة السحيقة التي تفصل بين النظرية وواقع التطبيق , وهو مايحصل دوما في عالمنا وعبر كل العصور .
لقد كانت روسيا الحصان الاسود الذي انقذ نظام الملالي ونظام الاسد, وهاهو اليوم يمثل صمام الأمان لتركيا, ليضبط مستوى علاقاتها مع امريكا ويعيده الى مساره الاول والطبيعي ومن جديد, لقد راهن نظاما الملالي والاسد وصبروا طويلا على حصانهم الأسود الروسي حتى تحقق لهم وله ما أرادوه, حين خسر الجميع ممن حولهم والذين كانوا يراهنون على امريكا باعتبارها صديق وشريك وحليف خلال العقود الاربعة الماضية, ومازالوا على رهانهم باقين ومصرين ومتوهمين, رغم أنهم مدركين وبيقين أن لاحليف دائم وحقيقي لها سوى اسرائيل, فأمريكا في سعي دائم لجعل أحلام إسرائيل لتكون حقيقة على أرض الواقع ومنذ عقود .
الحصان الاسود الروسي اجبر امريكا مؤخرا على قرار الانسحاب من سوريا, هذا القرار المتهور الذي اتخذته الإدارة الأمريكية سيكون له تداعيات كبيرة على مجريات الامور في سوريا وفي العراق وعلى حجم التأثير والنفوذ والتواجد الايراني على الارض, رغم أن الكثير من المتفائلين يرون أنها خطوة على الطريق للقضاء على النفوذ الايراني وحزب الله اللبناني, وهو تفاؤل يجانب منطق الاحداث والمصالح, وسيظل الشعبين السوري والعراقي يرزحان تحت سلطة الاحتلال الجديد ومن جديد, وسيدفع الشعب الكردي في الشمال السوري ثمنا باهضا تحت الاحتلال التركي, كنتيجة أو أضرار جانبية للتفاهمات التي سيترتب عليها الانسحاب الامريكي من المناطق التي يسيطرون عليها بمساعدة امريكا, ومن يدري فلربما تتمدد تركيا الى مناطق الشمال العراقي نتيجة الفوضى الحاصلة والتي ليست عنّا وعن شمالنا ببعيد .
لقد كان السلاح الروسي هو العامل الرئيسي في انتصارات حرب اكتوبر وتحرير سيناء كما كان له الدور الاكبر في الحرب العراقية ضد العدو الفارسي, ولكننا لم نتحرك قدما لنعبر ذلك الحاجز النفسي للشيوعية والذي كان يرعب الكثير من الانظمة, والذي ربما منعنا لعقود طويلة من نمد الجسور لخلق أحلاف عسكرية وإقتصادية مع الإتحاد السوفياتي أو مع روسيا الجديدة, ولم ندرك ان الحرب ليست حربا فكرية او عقائدية او حزبية, بل هي مجرد احلاف ومصالح وسيطرة ومناطق نفوذ, وهذا ما أدركته النظم التي راهنت على الحصان الأسود الروسي مبكرا .
في خضم هذا الفهم المبتسر لحركة القوى العالمية والفاعلة في تاريخنا الحديث والمعاصر, وتأثيرها على الجغرافيا السياسية, ضاعت منا العديد من الاوطان والتي ربما الى سابق عهدها لن تعود .. ويبقى التهديد والخطر يطرق أبوابنا وبالتمني والتواكل لن يزول .

مؤيد رشيد /كاتب وباحث

pc1

top up
اشترك معنا في قائمتنا البريدية وكن على إطلاع بكل ما هو جديد في عالم الاخبار