الخميس 13 ديسمبر 2018 / الوقت : 11:47:44 صباحًا

الكلمات المفتاحية الأكثر استخداماً

إعلان
إعلان
إعلان
a
إعلان
a

حكايا جدتي

حجم الخط : ع ع ع
طباعة :
  • مشاركة الخبر:
مؤيد رشيد

العديد من االثقافات لديها الكثير من القواسم التي تتشاركها كآلهة أو شياطين جلبت الخير أو الشر الى البشرية عبر العصور, ويبدو أن تلكم الآلهة قد حملت اسماء عدة في كل ثقافة, فدعاه الفلندوين لوفيتار , ودعاه شعب اليوروبا في نايجيريا بإسم شابونا, وأطلق عليه الإغريق باندورا السرمدي الخالد, وإنكرامينو في الزرادشتية المجوسية والذي يمثل قوى الظلام والشر, والإله وزيوس الذي قتل والده الإله كرونوس في الثقافة اليونانية القديمة, إن البحث في الخير والشر كان ومايزال متفاعلا في ثقافاتنا لفهم النوازع الحقيقية في النفس البشرية لأن الشر هو دوما مكمن الدمار للإنسانية عبر العصور .
كان هنالك سبب وراء إعتبار الآلهة جالبة وباء الطاعون ” الموت الأسود” هي الأكثر رعبا بين الآلهة القديمة في معظم الحضارات لأنها تحصد الملايين ولاتشبع, وتختفي مثلما تظهر دون مقدمات, أُخذ هذا التعريف عام 1832 من الطبيب الألماني “يوستوس هيكر في كتابه الموت الأسود” في القرن الرابع عشر.
ماري التايفوئيدية
ماري مالون كانت طباخة تعمل لدى صفوة مجتمع نيويورك من الاغنياء وعلية القوم في اواخر القرن التاسع عشر ,عندما اصاب التيفود عدد كبير من الذين كانت تعمل في خدمتهم, عالم ابحاث تتبع الاصابات لامراة لها قدرة نادرة على حمل المرض ونشر عدواه دون الاصابة به, ومن دون معاناة او آثار او ظهور اعراض خارجية عليها, ولقبوها بإسم ماري التايفودية .
اليوم وبفضل التقدم العلمي تمت السيطرة على الكثير من تلكم الامراض والاوبئة التي كانت تفتك بالبشرآنذاك, ولكن ومع كل تطور لابد وأن ترافقه مظاهر كنتيجة طبيعة له أو ربما كأضرار جانبية مصاحبة لابد أن تدفع ثمنها الانسانية المستفيدة منه, فظهرت المخدرات وظهر التطرف الديني وظهر الاسلام السياسي, وظهرت أمراض وأوبئة جديدةكالأيدز والآيبولا وغيرها الكثير,وكذلك ظهرت أنواع جديدة من السرطان وإنتشارها بشكل مخيف, نتيجة ماسميت بالحروب القذرة, واستخدام القنابل المحرمة التي تحمل مخلفات شديدة الخطورة ضد المدنيين الآمنين , وهي كلها مجتمعة مازالت تفتك بالبشرية في آسيا وأفريقيا وامريكا الجنوبية واوروبا, وظهرت بشكل بَيِّنْ في حروبنا البينية في عالمنا العربي اليوم, لتقتل المزيد من البشر ولتقلل الفجوة السكانية المزعومة .
يرى كارل ريموند پوپر 1902- 1994 وهو فيلسوف نمساوي-إنكليزي متخصص في فلسفة العلوم, ويعتبر پوپر أحد أهم واغزر المؤلفين في فلسفة العلوم في القرن العشرين, كتب بشكل موسع عن الفلسفة الاجتماعية والسياسية, يؤكد في كتابه “المجتمع المفتوح وأعداؤه” والذي نشر عام 1945 , بأنه يجب استبدال مفهوم أكبر قدر ممكن من المنفعة بمبدأ تقليل الألم أو الضرر إلى الحد الأدنى, هذا المبدأ يعني البحث عن الطريق الأسرع والأقل إيلاماً للكوارث التي تفتك بالبشريَّة , وهو بهذا المفهوم ربما يقترب شيئا ما من توماس مالثوس 1766-1834 في نظريته للسكان .
نظرية مالثوس تقوم على اساس ان سكان كوكب الارض يتزايدون بمعادلة هندسية وان الغذاء يتزايد بمعادلة عددية أي ما بين ثلاثة أضعاف للتزايد السكاني مقابل ضعفين للإنتاج الزراعي, وهذا سوف يخلق فجوة كبيرة بين عدد السكان ومعدلات الانتاجية, وأن الحل هو الحروب والكوارث الطبيعية والأوبئة والامراض للتقليل من هذه الفجوة .
بمعنى آخر يريد أن يقول مالثوس من خلال نظريته, أن الطبيعة هي سبب المشكل وليس الفرد ممثلا بالنظم السياسية القائمة .
الفيلسوف جودوين عالم الاجتماع(ت1838) كان يخالف مالثوس في الرأي, حيث كان يعتقد أن البؤس الذي يعيشه الناس إنما مرده إلى النظم الإجتماعية الفاسدة السائدة, أما الطبيعة عنده فهي خيرة ومعطاء دوما, وقد كان الحل يبدو أكثر منطقية إنسانية عند إبن خلدون (1332-1406) حيث ذهب الى أن تنظيم وسائل الانتاج وعدالة التوزيع هما الحل الأمثل والذي يقلل الفجوة بين التزايد السكاني ونقص الغذاء .
لقد إعتنقت وآمنت كل النظم الاستعمارية القديمة ونظرياتها المجددة والتي أخذت شكلها الحديث, من نظرية مالثوس في السكان, وأن الحربين العالميتين وما تلاهما من حروب ومجازر في امريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا ولغاية يومنا هذا ماهي إلاتطبيق لهذه النظرية والتي بنيت عليها وإستنبطت منها نظريات حديثة تواكب العصر والاستعمار بشكله الجديد,كنظريات الشرق الاوسط الجديد والفوضى الخلاقة, والتي تقوم على تأجيج الخلافات المجتمعية على أسس عنصرية ودينية وطائفية لخلق مجتمعات صغيرة مقسمة ومنقسمة وبشكل أكبر, وليسهل السيطرة عليها من خلال إبقاء الخلافات المتأججة, ومن جديد .
لقد ثبت لنا من خلال المشاهدة والتجريب أن المد الصفوي الايراني ومنذ عام 1979 ((وكل القوى والاطراف العالمية والإقليمية التي تقف خلفه وتتبنى مشروعه)) هدفه الوحيد تدميرنا وتهميشنا وارجاعنا متخلفين الى عصور الظلام, لقد أثبتوا للعالم فشل كل نظريات الاجتماع من خلال مفهومهم المريض والمبتسر, لقد أثبتوا فشل نظرية داروين للتطور, ونظرية إبن خلدون في السكان والتغيير الاجتماعي, وذلك من خلال اسقاط مبدأ العدالة الاجتماعية والتي تقوم عليها نظرية إبن خلدون وكل من ساروا على دربة في علم الاجتماع, فكان الامر جليا لأرجاعنا الى منطق الغاب والقوانين القبلية والهمجية والتي كانت تحكم الانسان البدائي, حيث بات الحراك الوحيد لدى حكوماتهم الموالية هو السير نحو الخلف ” الى الوراء در ” , نحو المزيد من التخلف والإنحطاط, وكان هدفهم الوحيد هو هدم وإسقاط الدولة بكل مظاهرها.
لقد كان ومايزال المد لصفوي وكل الداعمين لمشروعة, هو المثل الحي لآلهة الطاعون والشر والتايفوئيد معا ومجتمعين, فقد حصدوا ارواح الملايين من البشر وهجَّروا أضعافهم, ولا يزالون في سعي دؤوب نحو من تبقى منهم على قيد الحياة ..
لقد كانت وماتزال ماري التايفوئيدية تسكن وتتلبس روح وجسدكل واحد من أولئك السياسيين ورجال الدين الفاسدين والذين ينشرون الوباء في المجتمعات التي يعيشون فيها..
هم يمثلون كل آلهة الشر والموت عبر كل الحضارات والثقافات القديمة عبر العصور , لقد تشكلوا حسب التطور الحاصل في هذا العصر, وتقاطعات المصالح وتضارباتها إقليميا ودوليا, لقد أتقنوا كل ما تمثله الشياطين والمخلوقات الخرافية في حكايات الجدات, لم تتقن جدتي حكاية ماري التايفوئيدية ولكنها كانت تروي لنا حكايا الخراتيت والعفاريت, حتى وجدناها تجسدت وصارت حقيقة نواجهها كل يوم حين كبرنا, ويا ليتنا بقينا صغارا ولم نكبر..
مؤيد رشيد / كاتب وباحث

pc1

top up
اشترك معنا في قائمتنا البريدية وكن على إطلاع بكل ما هو جديد في عالم الاخبار