السبت 20 أبريل 2019 / الوقت : 09:31:13 صباحًا

الكلمات المفتاحية الأكثر استخداماً

إعلان
إعلان
إعلان
a

الحقيقة العارية .. والبئر الخاوية

حجم الخط : ع ع ع
طباعة :
  • مشاركة الخبر:
مؤيد رشيد

كانت هناك أسطورة قديمة جداً، تروي لنا حكاية، تلك الأسطورة جسدها في القرن التاسع عشر الرسام الفرنسي “جان ليون جيروم” عام 1896 من خلال لوحته الشهيرة والمعروضة في متحف مولينيه في فرنسا .

هذه اللوحة الرائعة التي جسدت هذه الأسطورة إسمها “الحقيقة و هي تخرج من البئر ..”
“La verité sortant du puits”
وتقول الأسطورة أن الحقيقة صادفت الكذب ذات يوم، والذي بادرها بالحديث : “إن الطقس رائع وجميل هذا اليوم ما رأيكَ أن نتمشى معاً ؟” نظرت الحقيقة إليه بريبة ثم الى السماء وما حولها ووقالت بعدها ، الطقس جميل ورائع هذا اليوم هلم بنا ..”،
و بينما كانا يتنزهان , وصلا إلى بئر كبيرة، مد الكذب يده للماء و قال للحقيقة: كم هي رائعة ودافئة مياه هذه البئر، ما رأيك أن نسبح معاً في مياهها الرائقة ؟
شكَّت الحقيقة فيما يقوله الكذب ونظرت إليه بريبة أكبر، و لكنها عندما وضعت يدها في الماء و شعرت بروعتها، وافقت على أن تسبح معه ..
خلعا ثيابهما ونزلا الى الماء وباشرا بالسباحة معاً،
غافل الكذب الحقيقة وخرج فجأة من البئر و لَبْس ثياب الحقيقة وغادر المكان يعدو مسرها بخطاه نحو البعيد..

خرجت الحقيقة غاضبة من البئر بسبب عريها، وركضت وراءه تبحث عنه فى كل الأماكن والإتجاهاة فزعة، عسى أن تسترد ثوبها ولتستر عورتها، ولكن دون جدوى فقد هرب بعيدا تاركاً إياها في حيرة وعري وذهول ..

نظر البشر إلى عريها وأشاحوا بوجوههم عنها فى استهجان مشمئز، وتملكهم الغضب من فعلتها الشنيعة، أما الحقيقة المسكينة، فقد عادت إلى البئر بخطى مرتبكة يلفها الغضب واليأس والقنوط، لتستقر فيه وتختفي من فرط خجلها وإلى الأبد ..

وبقيَّ الكذب منذ ذاك الزمن الغابر يختال بمشيته على الأرض بلباس الحقيقة، فمعطم الناس لا تريد رؤية الحقيقة المجردة و هي عارية، لأنها بعريها تخالف مفاهيم و عادات و موروثات بالية توارثوها منذ الأزل وباتت لدى بني الإنسان قوانين غير مكتوبة، ومنذ ذلك الحين أيضاً، يسافر الكذب متنقلاً يطوف حول العالم مرتدياً لباس الحقيقة، بينما لايزال البشر مصرين على رفضهم رؤية الحقيقة .. العارية .

يُحكى أنه في بلاد الواق الواق، بلاد الغرائب والعجائب، استقر الكذب في عاصمتها مرتدياً ثوب الحقيقة وأنشأ مراكز ومقرات ومدارس ومنابر، لنشر دعوته في طول بلاد الواق واق وعرضها.. رغم معرفة البشر من حوله أن رداءه المسروق بات لايغطي عيوب حقيقته وبشاعتها، ورغم أنه غالباً ما بات يتستر تحت رداء الدين والوطنية والشرف الزائف، وبات يتنقل بين البشر من أتباعه ومريديه, ليدير في تلكم البلاد المنكوبة أكبر عملية تبادل للأدوار والوجوه, مكشوفة وبائسة، كلها تدور في حقيقتها حول نفسها في فلك واحد معلوم ومعروف ..

ولكن الكذب لايبالي لطالما يأبى الناس رؤية الحقيقة العارية ..
تلك الحقيقة نفسها التي مازالت ترقد في غياهب الجًّبْ المظلمة، وكما فعل أخوة يوسف بأخيهم منذ قرون ، بينما الكذب يمشي متبختراً فهو لازال يرفل بثوبها تحت ضوء النهار .. ولكن حتما إلى حين، وذاك الحين آت لامحالة .. قريب ..

{فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} (45) سورة الحـج .
مؤيد رشيد / كاتب وباحث

pc1

top up
اشترك معنا في قائمتنا البريدية وكن على إطلاع بكل ما هو جديد في عالم الاخبار