السبت 19 أكتوبر 2019 / الوقت : 05:56:34 صباحًا

الكلمات المفتاحية الأكثر استخداماً

إعلان
إعلان
إعلان
a
إعلان
a

مواكب عاشوراء بين الثقافة والدين

حجم الخط : ع ع ع
طباعة :
  • مشاركة الخبر:
مؤيد رشيد

في إيران ترفض المرجعيات الدينية كل المظاهر التي ترافق عاشوراء “كالتطبير وإراقة الدماء وإهانة الرموز الدينية من آل البيت، وتمنع السعي والنباح كما الكلاب لأنها تهين النفس البشرية التي كرمها الله”، ولكنها لا تمنعها في العراق أو في أي مكان آخر، وحيث تنشر دعوتها نحو التشيع الصفوي، وهو أمر لا بد أن يثير التساؤل والاستغراب والكثير من الدهشة لكل عاقل قبل أن يهين نفسه وكرامته، ولكن في مستنقع الجهل وغياب الوعي فلا حياة لمن تنادي، فهي باتت تجارة رابحة.

هل هذه المظاهر ستكون البديل لمرجعياتنا الثقافية؟
الثقافة والفنون هي مرآة الحضارة وتطورها، وعلى مر التاريخ ومختلف العصور، وفي تواصل مستمر عبر أجيال وإلى يومنا هذا، وقد ازدهرت الحركة الثقافية والفنية والفكرية تحت ظل الاستعمار في معظم بلادنا، والتي كانت ترزح تحت أعبائه وتداعياته، وظهرت إلى العالم أروع المؤلفات والدراسات والكتب والروايات من كتاب ومثقفين ومفكرين وفي مختلف مناحي الحياة في مختلف العلوم الإنسانية، إضافة إلى التقدم العلمي المطرد، في ظل هيمنة دكتاتوريات تاريخية من خلال ازدهار الآداب والعلوم، وظل هذا الازدهار مستمراً في ظل الاستقلال والتحرر، وهو ما ينسحب وبنفس الاتجاه في ظل القوانين وأنظمة العالم الحر ونظرياته التي تحكم غالبية العالم اليوم، فالأمر كما يتبين لنا ليس لصيقاً تماماً أو متزامناً أو مترادفاً ومكملاً، فالإبداع يجد طريقه دوماً عبر الأشواك والعقبات، والحرية والديمقراطية وكل الآيدلوجيات الثورية بكل توجهاتها، سلمية كانت أم مسلحة، هي ليست بديلاً للثقافة والعلوم، بل وربما تكون معوقاً لها، فالعالم تغير كثيراً من حولنا خلال العقدين الأخيرين، والثقافة عموماً أصبح تشكيلها وتوجيهها يتم من خلال وسائل التواصل الحديثة، وهيمنة “كارتلات” عالمية تسيطر على الإعلام وتوجهه حيث تشاء بغية تحقيق أهداف مرسومة، وهذا ما خبرناه منذ بداية القرن الحالي وما رافقه من تداعيات مأساوية من حولنا.

اليوم تتمد فكرة الدولة الدينية كواحدة من أهداف ومظاهر النظام العالمي الجديد خدمة لأغراض ما سمي اصطلاحاً بمفهوم “الشرق الأوسط الجديد”، وما يتبعه من تغييرات جيوسياسية على أرض الواقع من حولنا، يتم تكريسها من خلال صعود الإسلام السياسي والمرجعيات الدينية على أسس طائفية للمحافطة على تسيدها وهيمنتها تحت حماية أذرعها العسكرية وميليشياتها الطائفية وشرعنتها.

وهذا هو الغطاء أو الحجة التي تظهر وتطفو على سطح الأحداث لتطمس الحقيقة التي تكرس لتدمير قوميتنا، والسؤال هو: هل من الممكن للثقافة والعلوم الإنسانية المتفرعة منها أن تزدهر في ظل المرجعيات الدينية كنقطة انطلاق لها، واعتبارها خلفية ومرجعية ثقافية.

بالقطع لم نشاهد وعلى مر العصور أي تطور أو ازدهار حضاري في أي مجتمع قام على أسس مرجعيات فكرية دينية، فقد قامت الثورة الصناعية في الغرب وما رافقها من ثورة في الفكر الإنساني كنتيجة حتمية للتطور العلمي والذي رافق الاكتشافات الجديدة لمصادر الطاقة، والتي تجلت بشمولية في مبدأ “فصل الدين عن السياسة”، والتي كان أثرها كارثياً على دول أوروبا في العهود المظلمة، وحين كان كل تطور علمي أو فكري آيدلوجي يتهم بالزندقة والإلحاد، لقد تخلص الغرب من هذا المفهوم الذي ظل سائداً لقرون، وكسر كل قيوده، لينطلق في مسيرة التقدم الحضاري والفكري، ليواصل مشواره الإنساني الذي انسحب وتراجع في تلك العهود المظلمة.

لقد استعمرنا الغرب طويلاً، وعمل قبل خروجه على تقسيمنا، ولكن هذا في حد ذاته ورغم مضي عقود من الزمن لم يعد كافياً لديه، وابتدعت نظريات جديدة كانت من وحي واقع تلكم الحقبة المظلمة، من خلال إعادة إحياء فكرة ربط الدين بالسياسة، وكانت المحاولات مبكرة جداً ومن قبل ظهور حركات التحرر الوطني في عالمنا العربي، ومن قبل خروج الاستعمار من بلداننا بشكله ومفهومة التقليدي القديم، والتي كانت بداياتها خلق ما سمي اصطلاحاً بـ”بالإسلام السياسي”، ومنها تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، والتي تم تكريسها لتكون منظمة عالمية ترعاها دول غربية ولا تزال ليومنا هذا، تؤمن بضرورة إعادة دورها وإحيائه من جديد، لتكون الذراع الموازية والرديفة لآيدلوجية التمدد الفارسي والدولة الدينية، والتي تم لها النجاح برعاية غربية هيأت الخميني والشارع الإيراني وحملته على متن طائرة فرنسية، وبعد تهيئة مسرح الأحداث لتقبل الوافد الجديد وقد كان، لتكون بداية لمرحلة جديدة شهدنا فصولها الأولى وما نزال.

منذ تلك التواريخ المفصلية والتي صبروا عليها طويلاً، بدأ الأمر يؤتي أُكُله من خلال تمدد النفوذ الإيراني وتصدير ثورته وإضعاف العراق والقضاء عليه كقوة إقليمية وتحت مظلة دينية طائفية، وهذا كله لم يكن بعيداً عن حركة تطور وتغلغل وانتشار حركة الإخوان المسلمين كقوة متنامية وفاعلة على الأرض في الكثير من بلداننا العربية والإسلامية، وكما شاهدنا لتخلق واقعاً جديداً مأسوفاً عليه من خلال تكريس مفهوم الدولة الدينية وإعادة ربط الدين بالسياسة كقوة سلطوية شمولية.

كل هذا كان تهيئة ومقدمة لما حدث وسيحدث، اليوم الكثير من بلادنا تعاني من هذا المد والذي أطلق عليه مصطلح الإسلام السياسي لتحكمنا بشريعة وقوانين وثقافة زائفة وهجينة ومسمومة، ولتكون المرجعيات الدينية هي مرجعياتنا الفكرية والثقافية لتعود بنا إلى عصور الظلام وعصور ما قبل النهضة.

الثوابت الدينية واحدة عند مختلف الشعوب وباختلاف الأديان، ولكن التشريع والقوانين استُحدثت كبديل حضاري يواكب متطلبات التطور وزيادة السكان وتنوع الثقافات والحاجة الملحة والمتجددة للتنظيم، فكانت الدساتير والأنظمة والقوانين تستمد من المجتمع وحاجاته مع حركة التطور المطردة وتعمل على مواكبتها نحو حياة أفضل.

اليوم نرى مظاهر مربكة ومفككة وضحلة تظهر لنا كثقافة بديلة عنواها نشر الطائفية والخرافات والمهانة من خلال طقوس وشعائر لم نر لها مثيلاً في تاريخنا الإسلامي، تكرس على جلد الذات وإهانة النفس البشرية التي كرمها الله، وترسيخ الإيمان والاعتقاد بالغيبيات وتنظم لها مواكب ومهرجانات لتكون بديلاً لثقافتنا ومرجعا لها من خلال مظاهرها، والذي هدفه غزونا وتدميرنا من خلال تدمير وعينا.

إنه فكر شيطاني يجد طريقة لتغيير الواقع بقوة ودفع كبيرين لطمس هويتنا والهيمنة على مقدراتنا والقضاء على إرادتنا، هذا هو النموذج البديل بهدف اختراق الفكر والتنوير والوعي، هو استعمار للفكر وقتل الوعي والإدراك للعودة بنا إلى عصور الظلام تحت عباءة الدين لنشر التخلف والجهل والأباطيل، ولتدمير ما تبقى من حضارتنا وعلومنا وكل مخزوننا الفكري وتراثنا، ولترجعنا قروناً إلى كهوف الظلام، فهم يلبسون الباطل عباءة الدين ليتحكموا بعقول الجاهلين والبسطاء.

والسؤال هو: أين نحن من هذا كله؟، الثورة الحقيقية هي ليست التظاهر ضد الأوضاع الاقتصادية المتردية، أو نقص الخدمات أو البطالة، أو الثورة على الفساد فقط، ولكن يجب أن تكون ثورة على هذا الاستعمار والغزو الجديد للعقول، والذي سيمتد لأجيال قادمة تتربى الآن عليه وتنمو تحت ظلاله، فما فائدة الحرية والإصلاح في مجتمعات ينخرها السوس والعفن؟.
مؤيد رشيد / كاتب وباحث

pc 001

إعلان
a
إعلان
a
top up
اشترك معنا في قائمتنا البريدية وكن على إطلاع بكل ما هو جديد في عالم الاخبار