الجمعة 21 سبتمبر 2018 / الوقت : 11:34:56 صباحًا

الكلمات المفتاحية الأكثر استخداماً

إعلان
إعلان
إعلان
a

قيد الإنتظار .. فنجال قهوة

حجم الخط : ع ع ع
طباعة :
  • مشاركة الخبر:
مؤيد رشيد

المشهد الأول
كان يجلس في مقهى “كوفي شوب” في واحدة من عواصم بلاد الفرنجة, يتميز بالهدوء, كان يتصفح المواقع في جهازه المحمول وهو يحسو رشفات من فنجان قهوة, الكوفي شوب هذه تحمل أسماء تجارية مختلفة ومشهورة وتنتشر في اوربا وكل بلاد العالم ووصلت الى معظم بلادنا العربية, لم يمنعه استغراقه في القراءة والتصفح متنقلا بين المواقع المختلفة أن يرفع راسه ليرقب الداخلين وكلما فتح الباب الاتوماتيكي للمقهى ليستقبل زائرا جديدا يحمل معه هبة ريح باردة جدا .
دخل رجلان وطلبا 5 أكواب من القهوة, كوبان لهما ليأخذاها معهم, والثلاثة اكواب الاخرى طلبوا ان تكون :
(( Pending Coffee ))
وترجمتها الحرفية “قهوة قيد الانتظار” , ودفعا ثمن 5 أكواب وغادرا المحل وكل واحد يحمل قدحه الورقي المقوى بيده .
بعد قليل دخل رجلان آخران وطلب كل منهما كوبا من القهوة ودفعوا ثمن الكوبين بشكل طبيعي ومضوا في سبيلهم بعد ان تناولوها على احد الطاولات الصغيرة الموزعة في االمكان .
بعدها بقليل دخل ثلاثة رجال ومعهم إمرأة يبدو من ملابسهم الرسمية “بدلة مع ربطة عنق” ويحمل كل منهم حقيبة جلدية أنيقة تبدو غالية الثمن, ربما كانوا من الموظفين الحكوميين او من المحامين أو ماشابه , وطلبوا ثمانية اكواب من القهوة ودفعوا ثمنها, تناولوا اربعة منها, قدح لكل منهم, وطلبوا ان تكون الاربع المتبقية ايضا “قيد الانتظار” , وغادروا المكان منطلقين لأعمالهم .
وبينما هو غارق في حيرته ودهشته لاحظت واحدة من النادلات الجميلات والأنيقات شدة انتباهه ومتابعته لهذا المشهد فاقتربت منه وشجعته ابتسامتها على السؤال المتردد بباله والذي يجول بخاطره, فسألها , ماذا تعني هذه الكلمة ومالمقصود من هذا التصرف الغريب ؟
فأجابته وثغرها يفتر عن ابتسامة مشرقة وعن اسنان لؤلؤية منتظمة ” إنتظر وسترى ” ولن يطول بك الانتظار .
وبينما كان يتصفح في اللابتوب الصغير الذي يحمله معه وهو يرتشف حسوات صغيرة من كوب الكابتشينو الساخن في هذا الجو البارد والذي طلبه مجددا كي يساعده على الانتظار, دلف الى المقهى الدافيء رجل عجوز ربما جاوز الستين من عمره بكثير, يعلو رأسه شعر ابيض كث وكثيف ذو ملامح تبدو عليها علامات الزمن, بوجنتيه المتغضنتين وجبينه الموسوم بتجاعيد غائرة يتوسط وجهه انف محمر من شدة البرد , ودارت عيناه الزرقاوان حول المكان بنظرات متسائلة وواثقة, وتوجه بخطوات مطمئنة هادئه نحو النادلة الجميلة ليفتر ثغره عن ابتسامة ودودة, وسألها بصوت واهن خجول وضعيف كأنه الهمس, هل توجد قهوة قيد الانتظار وقبل ان يكمل سؤاله قاطعته مرحبة به بايمائة من رأسها وبنظرات ودودة من عينيها ذات الغمازتين الساحرتين وبوجه باسم مشرق , وماهي الا لحيظات إلّا وكان كوبا ورقيا كبيرا من القهوة الطازجة الساخنه يرقد بين كفيه, يحتضنه بين اصابعه المرتجفة من البرد وهو يرتشف منه رشفات صغيرة في ركن بعيد, تركت اثرها الدافيء على محياه, ولم يلبث به الحال وكأنه وعى وأدرك ان هيئته المزرية قد تؤثر في جو المكان وهب واقفا ونهض من مجلسه منطلقا نحو الباب, وودع الفتاة بأيماءة شكر, وخرج مسرعا نحو الطريق وهو يحمل القدح الدافيء معه بعد أن توقف لحظات عند الباب ليرفع ياقة معطفة البالي ويحكم الشال الصوفي المتسخ حول رقبته وجزءا من وجهه, وارتدى قبعته التي تغطي جزءا من اذنيه ومضى ..
بدا لصاحبنا هذا المشهد غريبا وهو القادم من الشرق القديم مغتربا من حضارة عمرها آلاف السنين, وينوء بحمل مضاعف من القهر والحزن موصول عبر تلكم السنين, بدا له الامر وكانها كوميديا ساخرة وسوداء حينما يقارنها بما وصل اليه الحال في بلاده التي تركها الملايين هربا من قدر محتوم, أو ربما هي اشبه بفنتازيا تتناول واقعا حياتيا من رؤية غير مألوفة لديه, وكأنه يشاهد نوعا من السحر او الأمور الخارقة للطبيعة, ولكنها في حقيقتها لاتعدو عن ممارسات انسانية اساسها الحب والمشاركة, هذه هي الحال فالاختلاف فينا ولكن الطبيعة واحدة لاتتغير بتغير الزمان او المكان سواء اكانت هنا ام هناك, قد تأخذ اشكالا انسانية متعددة ولكنها كما هي ودوما .
بدت له هذه المشاهد كحكايا جَدّته, عن الفارس الشهم الشجاع والفتاة ذات الحسن وقومها الفقراء البسطاء, شكل راق من التآلف والتكافل المجتمعي من دون سؤال أو مِنَّة, وحيث يقوم الكثير من الاشخاص بدفع ثمن القهوة والطعام أيضا في الكثير من المطاعم, وتذكر انه شاهد مثلها في مدينة أخرى, حيث كان هنالك محل كبير لبيع الفواكه والخضروات الطازجة , وفي كل يوم وبعد ساعات انتهاء العمل يجمعون كل ماتبقى من الخضر والفواكه سريعة التلف والتي ولم بتم بيعها ويرسلوها الى اماكن ايواء المشردين والفقراء, وعلم ان بعض محلات البقالة والاطعمة الاخرى تفعل مثل ذلك, وتتمتع مثل هذه الاماكن بسمعة جيدة بين الناس ويُعتبر ارتيادها والتبضع منها او الأكل فيها نوعا من المساهمة المجتمعية بغية انجاحها واستمرارية اهدافها الانسانية النبيلة .
المشهد الثاني
مازال صاحبنا يجلس في مكانه وهو يسترجع في ذاكرته اخبارا ومشاهد مصورة تتناقلها العديد من المواقع, اطفال ونساء يجمعون بقايا الطعام من المزابل, أطفال تركوا مقاعد الدراسة ليعملوا لكي يعيلو ذويهم , بسبب الفساد المستشري في بلادهم, نساء واطفال وشيوخ وشباب غيبهم الموت والمعتقلات ومنهم من قضى غرقاً, هرباً من واقع مأساوي ومؤلم نحو مصير مجهول .
ويبقى الضمير الغائب صفة الحاكم والسياسي وصاحب العمامة, زواج فاسد بين الدين والسياسة انتج مسخا مشوها نتناً كريه الرائحة, قلوبٌ غُلْفٌ قاسية لاتعرف الرحمة ولا حب الخير .
المشهد الثالث
رفع رأسه وهو يهم بالنهوض ليغادر المقهى والتقت عيناه بعيني النادلة الحسناء وهي تبتسم وكانها تقول له ” هل فهمت الآن عساك لم تنتظر طويلا”, وإقترب منها وطلب خمسة أكواب من القهوة وخمسة كعكات مختلفه من الأصناف المعروضة بشكل أنيق وطلب أن تكون كلها “قيد الأنتظار” , دفع ثمنها وخرج مُوَدعاً بأبتسامة رضا ..
المشهد الأخير
يقول تعالى في سورة المنافقون “وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ” الآية10 .
ويقول سبحانه في سورة الفجر ,”يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي” الآية 24 .
انتهت الحكاية, فقد إقتربت النهاية, فالظلم والطغيان بلغ حده وتجاوز بكثير مداه, وهذه هي طبائع البشر عبر الزمان, وهكذا دواليك وتستمر الحياة .
مؤيد رشيد / كاتب

pc1pending coffee

top up
اشترك معنا في قائمتنا البريدية وكن على إطلاع بكل ما هو جديد في عالم الاخبار