السبت 20 أكتوبر 2018 / الوقت : 11:53:31 صباحًا

الكلمات المفتاحية الأكثر استخداماً

إعلان
إعلان
إعلان
a
إعلان
a

صديقي الانطوائي

حجم الخط : ع ع ع
طباعة :
  • مشاركة الخبر:
جهاد على الحارثي

في احدى عطلات نهاية الاسبوع ، استدعاني احد الزملاء ، فلنسميه هذه المرة بـ”إبراهيم” الى احد الكافيهات ، فتلقيت دعوته بكل ترحيب وسرور ، وعند وصولي اليه وبعد الخوض في امور الحياة المختلفة بحلوها ومرها ، بدأ زميلي “إبراهيم” بطرح مقدمته والاسباب التي دعته الى دعوتي هنا خارج اطار الكلية وخارج اطار علاقة الزمالة ،التي لم القي لتلك المقدمات بالًا كبيراً ، كان يتحدث الى وعيناه مصوبتان نحو كوب قهوته ، حتى ضننت انه يلقي الي نصاً يقرآه من ورقة قد كتبها من قبل .
تعمق بعدها “إبراهيم” في موضوعة الذي قد اقلقني بمقدمته الطويلة ، قال “إبراهيم” :
-بدأت حياتي ومنذ الطفولة بشخصية تخشى اللوم تخشى العقاب حتى انها تخشى الاختلاط بالناس ، كبرت قليلا ودخلت المدرسة وبدأت هذه المشكلة بتكوين حاجزا بيني وبين بقية الطلاب في الصف ، حتى انني لا اذكر انني قد استعرت حتى قلماً رصاصاً من اي زميل لي خشيت العواقب عند تلفه و الخشية من تكوين اي علاقة او اي نتائج عكسية قد تحدث مع اي صديق لي في المستقبل ،كبرت قليلا و كانت تجمعات القبيلة السنوية اشبه بكابوس مخيف ، كنت اخاف الاسئلة التي لا طعم لها من الاباء ومقارنتي بابنائهم المغترين بهم في كل مجلس ، مازال الموضوع ملازما لي حتى بعد خروجي من الثانوية ، ومع دخولي للكلية مازال حب الانعزال صفة مرتبطة بي ، وممارسة طقوس الحياة بكل تفاصيلها من نفسي والى نفسي ، فأنا اضحك مع نفسي وابكي مع نفسي و افرح مع نفسي ، اعلم ان ما اقوم به خطأ وعنايتي واهتمامي بهذه المعضلة اكبر كارثة في حياتي و ها انا استظل بهذه الشجرة التي تكبر معي كل يوم وكل حين ، اجني ثمارها المرة واتكئ على جذعها ذو الغصون الشائكة التي غاصت اشواكها الى اعماقي ويستصعب الان اخراجها .
سكت “إبراهيم” و القى بي في دوامة غريبة ، دار في رآسي حينها الف سؤال و سؤال ، كنت اؤمن بالعزلة عن المجتمع ، ولكن ليست بهذه الصورة القاهرة المتجبرة، كيف تحمل “ابراهيم”وضعة السابق ، وكيف ادى مهامة الحياتية والدراسية وهو بهذا الحال، وحيث انه طالبٌ مجتهد يهتم كثيرا بتحضير الدروس قبل بدأ المحاضرة ، يتحرك في كل فناء الكلية بدفتره الذي حيرنا نحن زملائه ماذا يخبأ بداخلة وماهي الحروف التي كونت جملاً عجز وشُل لسالنه عن الحديث بها ،كان يفضل بالفعل الجلوس في المقدمة في كرسي بعيد عن تجمعات بعض الزملاء ، حتى وان كان هناك عمل جماعي ، فقد كان يفضل ان يكون خياراً اخير لاي مجموعة ينقصها فردا واحدا ، ولا يحب الجدال اطلاقاً مع الاخرين .
بعد سكوت قصير ونظرات متجولة في ارجاء المكان بحثا عن دواء لداء هذا الزميل الذي حملني تلك الثقة ، و سرد لي قصته ومعاناته مع عزلته ، كيف سأخفف عليه مشكلته ، وهل بالإمكان ان انقله من عالمه المظلم ، لكن سأحاول ان لا اعظم مشكلته وان لا اطرح عليه الاسئلة التي ليست لها قيمة مضافة ، بدأت الحديث قائلا :
ياصديقي اعترافك بمشكلتك هي اول الانوار التي اضاءة بداخلك ، بها ستعرف من انت في المشكلة ، وماعليك فعله ، وما لك فيها من مسببات ، عزلتك السابقة ليست الا زمن ماضي ادفن مافيه بتفاصيله الموحشة ، ابدأ حياة جديدة بروتين جديد و بأهداف جديدة ، خالط الناس بكل طبقاتهم الفقير قبل الغني و الكبير قبل الصغير ، تجول بين مجالس كبار السن من العائلة فإنهم مدرسة تتلخص في وجوههم تعب الماضي وتجاعيد الحاضر ، كون لك علاقات ، ولا تصاحب الا خفيفين الضل فهم من سيرسموا لك الضحكة على محياك، ياصديقي حياتنا موحشة يصعب ان نقاوم شراستها لوحدنا ، ولا تنسى ان تفر من الشخص الكئيب كفرارك من الاسد ، فؤلاء الاشخاص طاقة ضخمة بالطاقة السلبية وبث الهموم والنكد فيك، صديقي نحن بحاجة ماسة للضحك للاستمتاع بعمق هذه الحياة ، اجسادنا يا “إبراهيم” بحاجة الى هرمون الاندروفين التي تستخدمة كمسكن لألامنا ، تحتاج الى الضحك الشديد فروحك وبدنك وعقلك في امس الحاجة الى هرمون الاندروفين ، ابحث في وجوه من حولك عن اؤلائك الاشخاص اصحاب الضحكات الصادقة ، العب مع الاطفال، و اسخر من نفسك عندما تتذكر موقفا مضحكا لك ، ضع صورة مضحكة لاحد الاطفال المقربين لك كخلفية لشاشة جوالك فستبسم حتماً كلما تفتح جوالك ، لحياتك ياصديقي وجه جميل اذا نظرت اليها بعينك الصافية الخالية وانزع النظارات السوداء التي تعتم حياتك وتجعلك تفضل العزلة والبعد عن ضجيج المجتمع، خوفا من الا تقع في اي حفرة في طريقك ، ختاما ياصديقي العزلة متوحشة لا تستطيع الفكاك من انيابها عندما تغرز اظافرها في ظهرك ، تخلص منها بكل ما اتاك الله من قوه ، واجه مشكلتك بكل شجاعة وصمود وعزيمة .
انهيت نقاشي مع زميلي “إبراهيم” وكلي امل بالله ثم به في ان يخرج من الغرفة المظلمة التي سكن بها خشية الضوء ، لكل منا مرحلة من مراحل الحياة يفضل فيها الاعتزال عن من حوله ، وهذا شيء محمود ان يعيش الانسان مع نفسه قليلا في عزلة مؤقته، ويفهم ماذا تريد هذه الروح واين وصلت والى اين تنطلق ، ولكن عندما يزيد الشيء عن حده فحتاماً سينقلب الى ضده .

IMG_3036

top up
اشترك معنا في قائمتنا البريدية وكن على إطلاع بكل ما هو جديد في عالم الاخبار