الأربعاء 13 ديسمبر 2017 / الوقت : 11:37:09 مساءً

الكلمات المفتاحية الأكثر استخداماً

إعلان
إعلان

تركناه طويلا .. “فَسَادْ”

حجم الخط : ع ع ع
طباعة :
  • مشاركة الخبر:
مؤيد رشيد

الزمن يعالج كل شيء بالصبر والتحمل, إلا الفساد والإرهاب هما أستثناء, فكلما صبرنا على أذاهما وتراخينا في مكافحتهما تفاقما وتجذرا وزادا, إن كَنْس مشاكلنا المستعصية وإخفائها تحت سِجّادْة الإهمال, لم يعد مجدياً ولا مقبولاً اليوم, ولا يتلائم مع ما يحوطنا من إرتباك في المشهد الإقليمي وتحدياته التي باتت تهددنا وتدق أبوابنا وبإلحاح, وتضرب رياحها الصفراء شطآننا وأراضينا .
إن قوة الجبهة الداخلية وتماسكها بات من الأولويات التي لانملك ترف ترحيلها الى مستقبل مؤجل قادم, فوتيرة التهديدات وتسارع الاحداث أكبر وأخطر بكثير من الإنتظار, فهم يراهنون على حالة السكون وبقاءنا في مقاعد المتفرجين .
سيظل الفساد من الأولويات التي تهم المجتمع, وستنال آليات محاربته كل التأييد والدعم وعلى طول الطريق, وكلما كانت تلك المحاولات جادة وصادقة وحقيقية, سيكون إلتفاف المجتمع من حولها أكبر وأوسع وأعمق, وسوف تواجهها أيضا الكثير من الصعوبات, لأنها النواة والسبيل لزيادة الوعي الوطني وبناء جسور من الثقة المتبادلة بين مكونات المجتمع وسلطة إتخاذ القرار, وهي أولى الخطوات على الطريق الصحيح نحو بناء الدولة الوطنية بسواعد وعقول وإرادة وطنية, وهي دوما المقياس الحقيقي والذي يقترب من مشاعر الجماهير والذي ينعكس إيجابا من خلال تفاعلهم, وهي تؤطر وتستدعي وتخلق ثقافة من الحراك الذهني والتفكير الجماعي, وهذا مايرعب “أهل الهوى والمصالح”, لأنها الطريق الوحيد والمتاح الذي يرسم خطوات لإصلاح مؤسسي وجاد يرسم ملامح الدولة الوطنية الحديثة المأمولة .
الفساد والإرهاب أهملناهما طويلا فَسادا, فهما صِنوان ربيبان لايفترقان فحيثما يكون هذا تجد ذاك, هما منظوران لوجه واحد, وظاهرتان فيهما الكثير من المشتركات في كينونتها وتكوينها وأهدافها والتي هي بيت القصيد هاهنا, فهما تستهدفان نسيج المجتمع وثروته الوطنية وعدالته الإجتماعية لأنهما أساس كل تقدم ونهوض .
الفساد والإرهاب على عكس القاعدة فكل شيء فيهما هو إستثناء, فهما ورغم أنهما لايمثلان سوى فئة صغيرة في المجتمعات, ولكن تداعياتهما وتأثيرهما السلبي يبدو دوما كظاهرة تؤثر فيه سلبا وتعوق كل حركة تطور وبناء .
على عكس القاعدة هما إستثناء, حيث كل بناء يبدأ من الأسفل صعوداً, إلا الفساد والإرهاب حيث يبدءان من الأعلى نزولا الى الأسفل في شكل هرمي مقلوب, فهما معاول للهدم والهدم يبدأ من الأعلى نزولاً, فلا فساد ولا إرهاب بدون رعاة وتمويل وأهداف .
إن كل الاسباب الموضوعية لنشوء هذه الآفات, كغياب العدالة الإجتماعية وتراجع الخدمات من صحة وتعليم, وازدياد معدلات البطالة وتدني معدلات الدخل الفردي وارتفاع الأسعار,كانت وستظل مشاكل تعاني منها الشعوب في الكثير من البلاد حول العالم, ولكنها لوحدها ستظل مجرد مشاكل تقليدية عانينا منها في فترات ما بعد حركات التحرر من ربقة الاستعمار, ولكنها لم تأخذ هذا الحجم كظواهر مؤثرة ومعوّقة للنهضة والبناء ولعقود طويلة ومثلما يحدث الآن, فمن خلال التوجيه والتمويل تصبح هذه الظروف المعيشية هي حاضنة لهذه الظواهر, والأمثلة كثيرة من حولنا سواء في آسيا أو أفريقيا وفي بلاد تجاورنا والتي لازالت تضرب فيها وتعاني من تداعياتها .
كلما تاخرنا في مكافحة الفساد والإرهاب كلما منحناهما الوقت والفرصة لكي يسودا ويستشريا اكثر في كل مفاصل الحياة, حينها تصبح محاربتها أكثر صعوبة ومقاومتها اكبر شراسة من خلال تمكنها من أدواتها والتي تتناسب أيجاباً مع طول فترة إهمالهما .
حيثما يكون الفساد منتشرا تجد الارهاب, فهوالطريق الذي يؤدي اليه كنتيجة ونهاية حتمية, الفساد كمفهوم وظاهرة تُنَمّي حالة من السخط داخل المجتمع نتيجة تراجع وغياب العدالة, وتؤدي بالتالي الى تراجع الوعي والشعور الوطني, وهو من أشد المخاطر والتحديات التي نواجهها والتي كانت تداعياتها كارثية كشواهد حية من حولنا, فهو يؤدي الى هدر الثروات الوطنية الموجهة لتحسين الواقع المعيشي إجتماعيا من خلال كل اشكال الدعم في الصحة والتعليم, وإقتصاديا من خلال تراجع معدلات الإنتاج وفرص العمل ومستويات الدخل الفردي لمواجهة متطلبات الحياة المتزايدة, وهو السبب الرئيسي لعدم وصول خدمات حقيقية وملموسة لعموم المجتمع, وهو السبب في تراجع كل البنى التحتية والمشاريع من خلال التجديد والادامة وتعطيلها .
إن كل حركات التجديد والإصلاح واجهت عبر التاريخ والعصور أشد أشكال المقاومة وأشرسها, ولاتزال وحتى يومنا هذا, من تشكيك وتخوين وزرع الخوف وزعزعة الثقة, وأقلام مأجورة وخطب وإشاعات وضمائر والسن وعقول تجدها معروضة للبيع عير كل العصور, سوق من الفوضى أشبه ماتكون بأسواق الرقيق والنخاسة في عصور غابرة, ولكن كل هذه الفوضى دوما ما تتراجع وتسقط, كزوابع تدور خارج الفنجال تلف حول نفسها, يأكل بعضها بعضاً حتى تتلاشى, لانها ضد الطبيعة والحياة بكل أشكالها .
الفساد والارهاب كارثة بيئية من خلق الإنسان والطبيعة منها براء, ولكنها أشد تأثيرا وخطورة, فهي في حقيقتها تقتل الأمل قي غد ومستقبل أفضل, والتي هي بكل بساطة ووضوح من أولويات وهموم وإهتمام المواطن الفرد البسيط في أي مجتمع, والذي يمثل العمود الفقري للحياة ولكل تقدم فيها .

مؤيد رشيد/كاتب وباحث

pc1

إعلان
a
top up
اشترك معنا في قائمتنا البريدية وكن على إطلاع بكل ما هو جديد في عالم الاخبار